الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
307
تفسير روح البيان
ما أنشدكم وانصح لكم الا بخصلة واحدة هي أَنْ تَقُومُوا من مجلس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتتفرقوا من مجمعكم عنده فالقيام على حقيقته بمعنى القيام على الرجلين ضد الجلوس ويجوز ان يكون بمعنى القيام بالأمر والاهتمام بطلب الحق لِلَّهِ لأجله تعالى ورضاه لا للمراء والرياء والتقليد حال كونكم متفرقين مَثْنى اثنين اثنين وَفُرادى واحدا واحدا قال الراغب الفرد الذي لا يختلط به غيره فهو أعم من الوتر وأخص من الواحد وجمعه فرادى انتهى وفي المختار الفرد الوتر وجمعه افراد وفرادى بالضم على غير القياس كأنه جمع فردان ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا التفكر طلب المعنى بالقلب : يعنى [ تفكر جست وجوى دلست در طلب معنى ] اى تتفكروا في امره صلى اللّه عليه وسلم فتعلموا ما نافية بِصاحِبِكُمْ المراد الرسول عليه السلام مِنْ جِنَّةٍ اى جنون يحمله على دعوى النبوة العامة كما ظننتم وفائدة التقييد بالاثنين والفرادى ان الاثنين إذا التجئا إلى اللّه تعالى وبحثا طلبا للحق مع الانصاف هديا اليه وكذا الواحد إذا تفكر في نفسه مجردا عن الهوى بخلاف كثرة الجمع فإنه يقل فيها الانصاف غالبا ويكثر الخلاف ويثور غبار الغضب ولا يسمع الا نصرة المذهب . وفي تقديم مثنى إيذان بأنه أوفق وأقرب من الاطمئنان فان الاثنين إذا قعدا بطريق المشاورة في شأن الرسول عليه السلام وصحة نبوته من غير هوى وعصبية وعرض كل منهما محصول فكره على الآخر أدى النظر الصحيح إلى التصديق ويحصل العلم على العلم وفي الفتوحات المكية قدس اللّه سر صاحبها الواحدة ان يقوم الواعظ من أجل اللّه اما غيرة واما تعظيما وقوله ( مَثْنى ) اى باللّه ورسوله فإنه من أطاع الرسول فقد أطاع اللّه فيقوم صاحب هذا المقام بكتاب اللّه وسنة رسوله لا عن هوى نفس ولا تعظيم كونى ولا غيرة نفسية وقوله ( وَفُرادى ) اى باللّه خاصة أو برسوله خاصة انتهى هذا إذا علقت ( ما بِصاحِبِكُمْ ) بمحذوف كما قدر فلا يوقف إذا على تتفكروا ويجوز ان يكون الوقف تاما عند تتفكروا على معنى ثم تتفكروا في امره عليه السلام وما جاء به لتعلموا حقيقته فقوله ( ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ) استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بان مثل هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة لا يتصدى لا دعائه الا مجنون لا يبالي بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه أو مؤيد من عند اللّه مرشح للنبوة واثق بحجته وبرهانه وإذ قد علمتم انه عليه السلام أرجح العالمين عقلا وأصدقهم قولا وانزههم نفسا وأفضلهم علما وأحسنهم عملا واجمعهم للكمالات البشرية وجب ان تصدقوه في دعواه فكيف وقد انضم إلى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال أَنْ ما هُوَ صاحبكم إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ مخوف لكم بلسان ينطق بالحق بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ اى قدام عذاب الآخرة ان عصيتموه لأنه مبعوث في نسم الساعة اى أولها وقربها وذلك لان النسم النفس ومن قرب منك يصل إليك نفسه وفي التأويلات النجمية ( بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ) في الدنيا والآخرة لينجيكم منه والعذاب الشديد الجهل والنكرة والجحود والإنكار والطرد واللعن من اللّه تعالى وفي الآخرة الحسرة والندامة والخجلة عند السؤال وفي بعض الأخبار انه عذاب من يسألهم الحق فيقع عليهم من الخجل